إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
469
الإعتصام
تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا » والفرقة - بشهادة الجميع - وإضافية فكل طائفة تزعم أنها هي الجماعة ومن سواها مفارق للجماعة ومن العلامات اتباع ما تشابه من الأدلة وكل طائفة ترمى صاحبتها بذلك وأنها هي التي اتبعت أم الكتاب دون الأخرى فتجعل دليلها عمدة وترد إليه سائر المواضع بالتأويل على عكس الأخرى ومنها اتباع الهوى الذي ترمى به كل فرقة صاحبتها وتبرئ نفسها منه فلا يمكن في الظاهر مع هذا أن يتفقوا على مناط هذه العلامات وإذا لم يتفقوا عليها لم يمكن ضبطهم بها بحيث يشير إليهم بتلك العلامات وأنهم في التحصيل متفقون عليها وبذلك صارت علامات فكيف يمكن مع اختلافهم في المناط الضبط بالعلامات ووجه رابع وهو ما تقدم من فهمنا من مقاصد الشرع في الستر على هذه الأمة وإن حصل التعيين بالاجتهاد فالاجتهاد لا يقتضى الاتفاق على محله ألا ترى أن العلماء جزموا القول بأن النظرين لا يمكن الاتفاق عليهما عادة فلوا تعينوا بالنص لم يبق إشكال بل أمر الخوارج على ما كانوا عليه وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد عينهم وعين علامتهم في المخدج حيث قال آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة ومثل البضعة تدردر الحديث وهم الذين قاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذ لم يرجعوا عما كانوا عليه ولم ينتهوا - فما الظن بمن ليس له في النقل تعيين ؟ ووجه خامس : وهو ما تقدم تقريره في قوله سبحانه وتعالى : « ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ، ولذلك خلقهم » الآية - يشعر في هذا المطلوب إن الخلاف لا يرتفع ، ما ما يعضده من الحديث الذي فرغنا من بيانه ، وهو حديث الفرق ، إذ الآية لا تشعر بخصوص مواضع الخلاف ، لإمكان أن يبقى الخلاف في الأديان دون دين الإسلام ، لكن الحديث بين أنه واقع في الأمة أيضا ، فانتظمته الآية بلا إِشكال .